ترى الكاتبة جُوان زريق أن التمييز ضد النساء والتحكم في أجسادهن تحت شعار العلمانية يمثلان تناقضًا مع جوهر الحرية الشخصية، إذ يتعارض فرض نمط معين من الملابس على المرأة مع حقها في الاختيار. وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في ارتداء الحجاب أو خلعه، بل في إصرار جهات مختلفة على امتلاك سلطة تقرير ما ينبغي للمرأة أن ترتديه، وما يُسمح لها بإظهاره في الأماكن العامة.
وفي مقال رأي نشره موقع ميدل إيست مونيتور تتناول زريق القيود المفروضة على ملابس النساء المسلمات في عدد من الدول، وتناقش التناقض بين الدعوات إلى تحرير المرأة والسياسات التي تحرمها من التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة بسبب مظهرها. وتستعرض الكاتبة نماذج من أذربيجان وإيران ومصر ولبنان وفرنسا، لتوضح كيف يتحول الحجاب والملابس المحتشمة إلى موضوع للصراع السياسي والاجتماعي والطبقي.
الحجاب بين الحرية الشخصية وسلطة الدولة
تشهد أذربيجان احتجاجات على قيود جديدة تتعلق بملابس الطلاب في المدارس، بعدما أقرت الحكومة في سبتمبر تعديلات تحظر الملابس التي تعتبرها مخالفة لمبدأ العلمانية، بما يقيّد بصورة غير مباشرة ارتداء الطالبات والمعلمات الحجاب. وأدى تطبيق هذه القيود إلى منع بعض المحجبات من دخول مدارسهن، ما يضعهن أمام خيار صعب بين الالتزام بمعتقداتهن الدينية والحصول على التعليم أو العمل.
وتتساءل زريق عن نوع الحرية التي تشترط على المرأة التخلي عن جزء من هويتها الدينية حتى تتمكن من دخول الفصل الدراسي، وعن جدوى العلمانية عندما تؤدي ممارستها إلى إقصاء النساء اللاتي يُفترض أنها تحمي حقوقهن. وترى أن الدولة، حين تتدخل لتحديد المظاهر الدينية المقبولة في الأماكن العامة، تحول جسد المرأة وملابسها إلى وسيلة للتعبير عن هوية وطنية بعينها، بدلًا من ترك المعتقدات الدينية ضمن نطاق الحرية الشخصية.
ولا يعني ذلك، بحسب الكاتبة، أن العلمانية تستلزم بالضرورة فرض قيود على الحجاب؛ إذ يمكن للدولة العلمانية حماية حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، دون فرض عقيدة دينية على المجتمع أو منع ظهور مظاهر التدين في المجال العام. لكن التناقض يظهر عندما تتحول العلمانية إلى مبرر لجعل النساء أقل إظهارًا لهويتهن الدينية، بما يقوض حقهن في اتخاذ قراراتهن بأنفسهن.
وتقارن زريق هذه السياسات بما يحدث في إيران، حيث تواجه النساء فرض الحجاب الإلزامي وتطبيقه عبر مؤسسات الدولة. وترى أن النظامين، رغم اختلاف تاريخهما وآليات تطبيقهما، يشتركان في افتراض أن أجساد النساء تخضع لسلطة الدولة، وأن المرأة لا تستطيع اتخاذ قرار مستقل بشأن مظهرها في الأماكن العامة.
وتشدد الكاتبة على أن ارتداء الحجاب لا يعني بالضرورة تعرض المرأة للقمع، مثلما لا يعني خلعه بالضرورة تحررها. فالملابس وحدها لا تكشف ما إذا كان الاختيار نابعًا من قناعة دينية أو تفضيل شخصي أو ضغوط اجتماعية أو إكراه، وقد تتداخل هذه العوامل في حياة المرأة الواحدة.
وتضيف أن حرية الاختيار لا يمكن أن تظل مشروطة باتخاذ القرار الذي ترضى عنه السلطات أو المجتمع. فإجبار المرأة على ارتداء الحجاب ينتهك استقلاليتها، كما ينتهكها إجبارها على خلعه، ولا يمكن الدفاع عن أحد الخيارين مع إنكار الآخر.
التمييز ضد المحجبات بين الطبقية والعنصرية
لا يقتصر التحكم في ملابس النساء على قرارات الحكومات، بل يظهر أيضًا في سياسات بعض المطاعم والشواطئ الخاصة وقواعد اللباس غير المعلنة، التي تحدد من يحق له دخول أماكن معينة ومن يُستبعد منها. وتلفت زريق إلى حالات في مصر مُنعت فيها نساء محجبات من دخول مطاعم راقية وأماكن أخرى، مشيرة إلى تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» باللغة العربية عام 2022، أفاد بأن 11 مكانًا من أصل 15 تواصل معها فريق التحقيق قالت إنها لا تسمح بدخول النساء المحجبات.
وفي لبنان، تجدد الجدل في يونيو 2026 بعدما أفادت زائرة بأن إدارة شاطئ «نووير بيتش» منعتها من الدخول بسبب ارتداء صديقتها الحجاب. وأثارت الواقعة انتقادات لسياسات الدخول التي تستبعد النساء بناءً على ملابسهن، وأعادت النقاش بشأن التمييز الذي تواجهه المحجبات في بعض الأماكن الترفيهية.
وتوضح هذه الحالات أن المرأة التي تغطي شعرها أو ترتدي ملابس سباحة تغطي معظم جسدها قد لا تواجه ضغوطًا للامتثال لتقاليد دينية، بل قد تُطالَب بالتوافق مع معايير جمالية واجتماعية مختلفة، تربط المظهر العصري والرفاهية والوجاهة الاجتماعية بأنماط محددة من الملابس. وفي بعض الأماكن، يصبح الحجاب علامة يُحكم من خلالها على المرأة بأنها أقل عصرية أو غير منتمية إلى المكان، حتى في المجتمعات التي تشكل فيها النساء المسلمات جزءًا من الحياة اليومية.
وترى زريق أن هذه الممارسات تكشف تقاطع التمييز الديني مع الطبقية والعنصرية؛ إذ تسعى بعض الأماكن إلى ترسيخ صورتها بوصفها حصرية من خلال تحديد الأجساد التي تناسب صورتها التجارية والاجتماعية. وقد يتحول الحجاب إلى معيار لاستبعاد المرأة، لا بسبب سلوكها أو كفاءتها، بل بسبب ما يرمز إليه مظهرها في نظر الآخرين.
وتستشهد الكاتبة بالجدل الذي أثارته صور الممثلة آن هاثاواي وهي ترتدي ملابس سباحة تغطي جسدها بالكامل في مدينة سان تروبيه الفرنسية، في يونيو 2026. وتوضح أن الاختيار نفسه قد يحظى بالإشادة باعتباره تعبيرًا عن الأناقة أو الراحة عندما يصدر عن شخصية مشهورة، بينما يُعامل بوصفه دليلًا على التخلف عندما ترتديه امرأة مسلمة.
وتقول زريق إن المشكلة ليست في الاحتفاء باختيار هاثاواي، بل في ازدواجية المعايير التي تمنح الملابس نفسها دلالات مختلفة بحسب هوية من ترتديها. فقد تُقدَّم الملابس المحتشمة على امرأة باعتبارها خيارًا شخصيًا أو موضة، بينما تصبح على امرأة أخرى موضع شك واتهام، بما يكشف أن الحكم لا يتعلق بالملابس وحدها، بل أيضًا بنظرة المجتمع إلى المرأة وهويتها.
الهوية المسلمة بين السياسات المحلية والصراعات السياسية
تطرح زريق تساؤلات بشأن العلاقة بين الدين والعرق والهوية الوطنية، مستشهدة بأذربيجان، التي يشكل المسلمون غالبية سكانها، بينما أصبح التمسك بالعلمانية الرسمية محورًا للخلاف حول ظهور الرموز الدينية في المدارس. وترى أن الجدل يتجاوز قواعد الزي المدرسي ليصل إلى سؤال أوسع عن أشكال الهوية التي يُسمح لها بالظهور في المجال العام، والقيود التي تفرضها الدولة على التعبير عنها.
وتتساءل الكاتبة عما إذا كان رفض الحجاب في بعض السياقات يعكس أيضًا رفضًا للظهور العلني لهوية يُنظر إليها باعتبارها غريبة، حتى عندما تنتمي إلى المجتمع نفسه. وتشير إلى الخلط الذي يحدث أحيانًا بين الهوية الإسلامية والهوية العربية، رغم أن معظم المسلمين في العالم ليسوا عربًا، وأن الانتماء العربي لا يعني بالضرورة الانتماء إلى الإسلام.
وبحسب زريق، يسمح هذا الخلط بالتعامل مع النساء المسلمات باعتبارهن ممثلات لهوية ثقافية يرغب آخرون في تنظيمها أو إبعادها عن المجال العام أو محو مظاهرها. وهكذا تتحول ملابس المرأة إلى علامة تُستخدم للحكم على انتمائها، بدلًا من التعامل معها بوصفها فردًا له حقوقه وخياراته الخاصة.
وتشير الكاتبة إلى أن القيود المفروضة على الحجاب في مدارس أذربيجان والعلاقات العسكرية التي تربط البلاد بإسرائيل ملفان سياسيان منفصلان، ولا تتوافر أدلة كافية لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بينهما. لكنها ترى أن تزامنهما يثير أسئلة بشأن كيفية فهم الهوية المسلمة داخل البلاد، وعلاقة ذلك بالمواقف السياسية والعسكرية للدولة خارج حدودها.
ويمتد النقاش، بحسب المقال، إلى أوروبا، حيث استُخدم مفهوم العلمانية مرارًا في الجدل بشأن ملابس النساء المسلمات، ولا سيما في فرنسا. ففي سبتمبر 2026، نشر النائب الفرنسي عن حزب التجمع الوطني جوليان أودول صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي لامرأة مسلمة، أزال منها حجابها وغيّر ملابسها، وأرفقها بعبارة «الحرية الفرنسية!».
وترى زريق أن الواقعة تكشف تناقضًا واضحًا في استخدام خطاب الحرية لتبرير تغيير مظهر امرأة رقميًا دون موافقتها، بهدف إزالة العلامة الظاهرة على هويتها الدينية. وتتساءل عمن تمثله هذه الحرية: هل تعبر عن اختيار المرأة نفسها، أم عن رغبة السياسي في رؤيتها بمظهر مختلف؟
وتوضح أن تعديل الصورة لا يقتصر على الجدل بشأن الملابس، بل يحول صورة المرأة إلى أداة في خطاب سياسي، ويزيح موافقتها جانبًا لمصلحة تصور خارجي لما ينبغي أن تبدو عليه. وبهذا، يمكن أن يتجاوز الضغط على المرأة حدود التشريعات ليصل إلى التشهير والإذلال العلني، حين يُقدَّم تغيير مظهرها بوصفه خطوة نحو حريتها.
وتختتم زريق المقال بالتأكيد على أن تجارب النساء المحجبات لا يمكن اختزالها في قطعة القماش التي يرتدينها، موضحة أنهن يعملن في مجالات الطب والتعليم والبحث والأعمال والسياسة والفنون، ويسافرن ويمارسن أنشطة مختلفة، دون أن يعني ذلك أن جميعهن يتمتعن بالقدر نفسه من الحرية أو أن الحجاب لا يُفرض على بعضهن بالإكراه.
وتشدد على ضرورة رفض فرض الحجاب كما يجب رفض فرض خلعه، والدفاع عن العلمانية دون تحويلها إلى أداة لإقصاء الدين من الحياة العامة. فحرية المرأة، وفقًا للكاتبة، لا ينبغي أن تعتمد على موافقة الآخرين على مظهرها، ولا على قدرتها على إثبات نجاحها أو إنتاجيتها حتى تستحق حقوقها.
وتخلص زريق إلى أن الالتزام الحقيقي بحرية النساء يقتضي ضمان حقهن في ارتداء الحجاب أو خلعه، دون إكراه أو تمييز، وحماية فرصهن في التعليم والعمل ودخول الأماكن العامة. فالحرية، كما تؤكد، لا تعني السماح للمرأة باتخاذ القرارات التي يوافق عليها الآخرون فحسب، بل احترام حقها في اتخاذ قرارات تخصها، حتى عندما تختلف اختياراتها مع قناعاتهم.
https://www.middleeastmonitor.com/20261015-the-policing-of-muslim-womens-bodies-from-west-asia-to-europe-and-beyond/

